صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
336
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
والقتال « 1 » . وقد عجل خالد بن الوليد - وكان يقود فرسان قريش - بالعودة إلى مكة حين علم بذلك ، وخرجت قريش فعسكرت على طريق المسلمين « ببلدح » « 2 » حيث سبقوا المسلمين إلى الماء « 3 » . وتقدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالمسلمين حتى إذا اقتربوا من الحديبية بركت ناقته فقالوا : « خلأت القصواء » فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل » . ثم قال : « والّذي نفسي بيده ، لا يسألونني خطّة يعظّمون فيها حرمات اللّه إلّا أعطيتهم إيّاها » « 4 » . عدل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن الطريق المتجه إلى مكة ، وسار بأصحابه حتى نزل بأقصى الحديبية على بئر قليل الماء ، فلما اشتكى المسلمون العطش ، انتزع صلّى اللّه عليه وسلّم سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيها ، فما زالت تجيش بالماء حتى صدروا عنه وكان ذلك من معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم « 5 » . عمل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على إبلاغ رسالة واضحة لزعماء قريش تضمنت أنه لم يأت لحربهم أو حرب غيرهم ، وإنما جاء بقصد الاعتمار وتعظيم البيت العتيق وتكريمه وزيارته والطواف به « 6 » . وقد بيّن الرسول هذه الوجهة لعدد من الرجال المحايدين أحيانا ، وبواسطة رسل أرسلهم لهذا الغرض كذلك . وحين وفد عليه بديل بن ورقاء الخزاعي وبيّن له أن قريشا تعتزم صدّ المسلمين عن دخول مكة ، أوضح له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سبب قدومه وأصحابه ، وأظهر التوجّع لما أصاب قريشا من عنادها وحربها ، وقد نقل بديل الخزاعي ذلك لقريش فاتهموه وخاطبوه بما يكره ، وقالوا : « إن كان إنما جاء لذلك فلا واللّه لا يدخلها عنوة أبدا ، ولا تتحدث بذلك العرب » « 7 » . ثم أرسل خراش بن أميّة الخزاعي - وهو يقصد بيان موقفه أمام الناس جميعا - فعقروا جمله وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش « 8 » . وأراد أن يرسل عمر بن الخطاب فبيّن عمر شديد عداوته لقريش وعلمها بذلك وبأن قومه من بني عدي يناصبونه العداء ولا يحمونه « 9 » ، فعدل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عنه إلى عثمان بن عفان الذي دخل مكة في جوار أبان بن سعيد بن العاص ، وأبلغ قريشا رسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 10 » ، وحين سمح زعماء قريش لعثمان بالطواف بالبيت العتيق فإنه أبى أن يسبق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالطواف
--> ( 1 ) مسلم - الصحيح - كتاب صفات المنافقين ، ص / 12 . ( 2 ) وهو أحد وديان مكة المكرمة ، أعلاه عند وادي العشر وأوسطه منطقة الزاهر ، ومصبّه في مر الظهران شمال الحديبية ، انظر : البلادي - معجم المعالم الجغرافية ص / 49 . ( 3 ) البيهقي - دلائل النبوة 2 / 219 - 220 ، الواقدي - المغازي 2 / 582 ، ابن سعد - الطبقات 2 / 95 . ( 4 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 5 / 329 - حديث 2731 ) . ( 5 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 5 / 331 - حديث 2732 ) ، وفي رواية صحيحة أخرى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا بماء فتمضمض ومج في البئر ( البخاري - الصحيح ، فتح الباري - حديث 2577 ) ويمكن الجمع بين الحديثين . ( 6 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري - الأحاديث 2731 ، 2732 ) . ( 7 ) أحمد - المسند 4 / 324 ، وابن إسحاق بإسناد حسن ، سيرة ابن هشام 3 / 308 . ( 8 ) أحمد - المسند 4 / 324 ، الفتح الرباني 21 / 101 - 104 ، ابن سعد - الطبقات 2 / 96 - 97 . ( 9 ) أحمد - المسند 4 / 324 ، ابن هشام - السيرة 3 / 308 بإسناد حسن . ( 10 ) أحمد - المسند 4 / 324 .